الجنيد البغدادي
58
رسائل الجنيد
أعظمك وأجلك ، إلهي ما ألذ ذكرك والأنس بك ، وما أحلى خدمتك والشغل فيك ، إلهي ما أوحش قلب ليس فيه أنسك ، وما أخرب قلب ليس فيه ذكرك ، وما أقل سرور قلب ليس فيه حبك ، إلهي هذا سروري بك في حال المناجاة ، فكيف سروري بك في حال الملاقاة ، إلهي بسروري بك بطل عني الغموم ، وبشغلي فيك أزال عنى الهموم ، أسألك سؤال من لا يعرف بالربوبية غيرك أن تعتقني من عبودية ما سواك حتى أكون أسير مننك ورهين كرمك وغريق إنعامك ، إلهي خلقتني فأحسنت خلقي ، وربيتني فأحسنت تربيتي ، ودعوتني إلى نفسك باللطف دعوة ، فوفقني لما تحب وترضى يا أرحم الراحمين ، إلهي لك الحمد كما أنت أهله وكما ينبغي لكرم وجهك ، وعز جلالك وعظيم ربوبيتك يا أكرم الأكرمين . فهذا بيان ما ذكرنا من إجابة القاصدين نداء الحق سبحانه وتعالى ، فإن أدركتم هذه العبارات ، ووقفتم على هذه الإشارات فبخ بخ ، وإلا فسأذكر لكم بعون اللّه تعالى مناجاة المحبين مما حكي عن أجلة أهل المعرفة ، فأول ما نبتدئ به ما روى عن زين القيمة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال في مناجاته ، إلهي إذا قرت أهل الدنيا بدنياهم ، فأقر عيني بك ، وأقطع عني لذائذ الدنيا بأنسك والشوق إلى لقائك . وكان منصور بن عمار يقول في بعض مناجاته : إلهي إن قربتني فمن الذي يبعدني ، وإن عززتني فمن الذي يذلني ، إلهي كيف يذل من مالكه عزيز ؟ أم كيف يفتقر من مالكه غني سيد السادات ؟ إلهي إلى من أذهب وأنت مولاي ، ولمن أرجو وأنت مناي ، وبمن أستأنس وأنت حبيبي وغاية أملي ، وأسألك إتمام ذلك عليّ ، يا نعم المولى ويا نعم النصير . وقال يحيى بن معاذ الرازي رضي اللّه عنه في بعض مناجاته : إلهي سري مكشوف وأنا إليك ملهوف ، وأنت لم تزل بالجود موصوف ، إلهي أنت أنيس المستأنسين من أحبابك ، وجليس الملهوفين من أوليائك وسرور العارفين من أصفيائك ، إلهي أنت الذي لا يخفى عليك أحوال المريدين ولا يبطل عندك أمل الآملين ولا يخيب لديك رجاء المنيبين سبحانك سبحانك . وكذلك كانت رابعة العدوية البصرية تقول في بعض مناجاتها : إلهي أجل العطايا